السيد محمد تقي المدرسي

323

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

الثاني للاختلاف في معنى العدالة ، اختلافاً فلسفياً ويتصل بعقائد كل أمة ، وثقافتها ، وتاريخها وهذا الاختلاف لا يضر باتخاذها هدفاً مقدساً ، للحياة وللقانون . الثالث : التقدّم تسخير الطبيعة ، واستعمار الأرض ، والانتفاع بمواهب الله فيها ، يعتبر هدفاً لكل بشر . فمنذ ان يولد الانسان يشرع في استخدام موارد الطبيعة حيث تراه يتنفس ، يقاوم الجاذبية ، يدفع عن نفسه الاخطار ، ويشرب ويأكل . ويكبر الوليد ويكبر معه حجم تسخيره للطبيعة ، ثم يتخذ هذا الهدف شكلًا جديداً ، عندما يتكوّن الاجتماع البشري ، إذ يصبح أحد أهداف المجتمع ، إذ يتعاونون في سبيل سعادتهم ، أو لا أقل درء الاخطار الطبيعية عن أنفسهم . وقد اعتبر الفلاسفة هذا الهدف قيمة أساسية ، وقد ذكر به الوحي مظاهره الإلهي . اما علماء القانون فقد اعتبره بعضهم أهم قيمة ينشدها القانون . ويسمى اليوم تسخير الطبيعة ، بالتقدم ، باعتباره أحد ابرز مظاهره في عصرنا ، ولعلاقته بالتنافس الحادّ بين الأمم ، وبالذات بين الدول الغنية والنامية . ويتصل تسخير الطبيعة ( التقدم ) بالجانب الاجتماعي من حياة البشر ، فمنذ ان كان ثمة علاقة بين انسان وآخر ، كان أحد أهم الروابط بينهما المصلحة المشتركة ، حتى اجتماع الزوج والزوجة يكون بهدف التعاون ، والوصول معاً إلى نفع مشترك وبما ان القانون لا يمكن ان يلغي ، أيّة خصيصة اجتماعية ، لأن القانون جاء من اجل ترسيم علاقة الناس ببعضهم وعملهم المشترك فإن قيمة التقدم تتصل بقيمة المصلحة العامة ، التي جعلها البعض هدفاً للقانون ، وهكذا يقول الهيجلون الجدد : انظروا إلى المطالب وقيسوها بالنسبة إلى الحضارة ، وبالنسبة إلى تطوير القدرات الانسانية إلى أقصى حدّ ممكن - أي إلى أكثر حدّ ممكن - من سيطرة الانسان على الطبيعة البشرية والطبيعة الخارجية وتمكنه منها « 1 » . ودعنا إذ ندرس هذه القيمة بصورة مستقلة بالرغم من تداخلها مع قيمة التقدم أم تسخير الطبيعة .

--> ( 1 ) - رسكو باوند - مدخل إلى فلسفة القانون ص 60 . .